محمد بن جرير الطبري
155
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت ؟ قيل : نعم ، أكثر من أن يحصى ، من ذلك قول الشاعر : أجدك لن ترى بثعيلبات * ولا بيدان ناجية ذمولا ولا متدارك والشمس طفل * ببعض نواشغ الوادي حمولا فقال : ولا متدارك ، ولم يتقدمه فعل بلفظ يعطف عليه ، ولا حرف معرب إعرابه فيرد " متدارك " عليه في إعرابه . ولكنه لما تقدمه فعل مجحود ب " لن " يدل على المعنى المطلوب في الكلام وعلى المحذوف ، استغني بدلالة ما ظهر منه عن إظهار ما حذف ، وعامل الكلام في المعنى والإِعراب معاملته أن لو كان ما هو محذوف منه ظاهرا . لأَن قوله : أجدك لن ترى بثعيلبات بمعنى : أجدك لست براء ، فرد " متداركا " على موضع " ترى " كأن " لست " والباء موجودتان في الكلام ، فكذلك قوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لما سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قبلهم وقبل آبائهم من أياديه وآلائه ، وكان قوله : وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ مع ما بعده من النعم التي عددها عليهم ونبههم على مواقعها ، رد " إذ " على موضع : وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ لأَن معنى ذلك : اذكروا هذه من نعمي ، وهذه التي قلت فيها للملائكة . فلما كانت الأَولى مقتضية " إذ " عطف ب " إذ " على موضعها في الأَولى كما وصفنا من قول الشاعر في " ولا متدارك " . القول في تأويل قوله تعالى : لِلْمَلائِكَةِ قال أبو جعفر : والملائكة جمع ملك ، غير أن واحدهم بغير الهمز أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز ، وذلك أنهم يقولون في واحدهم ملك من الملائكة ، فيحذفون الهمز منه ، ويحركون اللام التي كانت مسكنة لو همز الاسم . وإنما يحركونها بالفتح ، لأَنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف الساكن قبلها ، فإذا جمعوا واحدهم ردوا الجمع إلى الأَصل وهمزوا ، فقالوا : ملائكة . وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها ، فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة فيجري كلامهم بترك همزها في حال ، وبهمزها في أخرى ، كقولهم : رأيت فلانا ، فجرى كلامهم بهمز رأيت ، ثم قالوا : نرى وترى ويرى ، فجرى كلامهم في يفعل ونظائرها بترك الهمز ، حتى صار الهمز معها شاذا مع كون الهمز فيها أصلا . فكذلك ذلك في ملك وملائكة ، جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم ، وبالهمز في جميعهم . وربما جاء الواحد مهموزا كما قال الشاعر : فلست لإِنسي ولكن لملأَك * تحدر من جو السماء يصوب وقد يقال في واحدهم : مألك ، فيكون ذلك مثل قولهم : جبذ وجذب ، وشأمل وشمأل ، وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة . غير أن الذي يجب إذا سمي واحدهم مألك ، أن يجمع إذ جمع على ذلك : مالك ، ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا ، ولكنهم قد يجمعون ملائك وملائكة ، كما يجمع أشعث : أشاعث وأشاعثة ، ومسمع : مسامع ومسامعة . قال أمية بن أبي الصلت في جمعهم كذلك : وفيها من عباد الله قوم * ملائك ذللوا وهم صعاب وأصل الملأَك : الرسالة ، كما قال عدي بن زيد العبادي أبلغ النعمان عني ملأَكا * أنه قد طال حبسي وانتظار وقد ينشد " مألكا " على اللغة الأَخرى ، فمن قال : ملأَكا ، فهو مفعل من لأَك إليه يلأَك : إذا أرسل إليه